سيد محمد طنطاوي

423

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

معرفة نفسه هكذا ، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى . وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز « 1 » . وقوله : * ( وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) * من جملة الجواب الذي أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح . أي : وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا علما قليلا ، بالنسبة إلى علمه - تعالى - الذي وسع كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء . وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها ، لأن ذلك شيء استأثر اللَّه - تعالى - به وحده ، واقتضت حكمته - عز وجل - أن يجعله فوق مستوى عقولكم . قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية : والمنهج الذي سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته ، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها اللَّه لهم فيما لا ينتج ولا يثمر ، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله ، وبعضهم عندما سأل النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن الروح ، أمره اللَّه أن يجيبهم بأن الروح من أمره - سبحانه - . . . وليس في هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل ، ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده ، وفي مجاله الذي يدركه . والروح غيب من غيب اللَّه لا يدركه سواه . . ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع ، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدرى ما هو ؟ ولا كيف جاء ؟ ولا كيف يذهب ؟ ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل » « 2 » . وقال بعض العلماء : وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح ، المتكلفين لبيان ماهيته ، وإيضاح حقيقته ، أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع ، وقد أطالوا المقال في هذا البحث ، بما لا يتسع له المقام ، وغالبه ، بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين أو دنيا . . فقد استأثر اللَّه - تعالى - بعلم الروح ، ولم يطلع عليه أنبياءه ، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه ،

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 324 . ( 2 ) في ظلال القرآن ج 15 ص 357 . للأستاذ سيد قطب - رحمه اللَّه - .